المسلمون بألمانيا.. إعلام بلا فاعلية

 

 

 

خالد شميت - ميونخ

جوبلز وزير الإعلام النازي الأشهر هو صاحب المدرسة الشهيرة في الكذب المخلوط بقليل من الحقيقة وتكرار الكذب، ثم الكذب، حتى يصدق الجمهور كذبه، ويصدقه صانعوه أيضا بالتعود، ربما هذا هو ما يجعل المسلمين في ألمانيا يعانون من تشويه صورتهم، وتصويرهم دائما على أنهم عدو محتمل أو صديق لا ينفع!

ورغم أن ألمانيا تحتل المرتبة الأولى في قائمة الدول الأوروبية التي توزع فيها وسائل الإعلام الأجنبية المطبوعة من صحف ومجلات ومطبوعات مختلفة، وتأتي الصحف التركية الصادرة في ألمانيا في مقدمة هذه الصحف الأجنبية من حيث العدد ومعدلات التوزيع، فإن هذا الإعلام المحسوب على المسلمين لم يقدم شيئا يُذكر لتحسين صورة المسلمين في المجتمع؛ إذ بلغ عددها 12 صحيفة ومجلة أسبوعية خاصة بأبناء الجالية التركية المقيمة في ألمانيا، وتزيد عن ثلاثة ملايين يمثلون أكبر جالية فيها. ويصل معدل توزيع الصحف التركية في ألمانيا الآن إلى ما يقارب 290 ألف نسخة يومية، والمفارقة هي أن الوجود الصحفي التركي رغم حجمه فإنه غير ممثَّل بأية صورة في اتحاد الصحفيين والمراسلين الأجانب في ألمانيا.

بداية قديمة

البدايات الأولى للإعلام التركي في ألمانيا ترجع إلى أوائل الستينيات من القرن العشرين، مع مجيء أول موجة من العمال الأتراك إلى ألمانيا، واستقرارهم في ميونيخ معا دعا مطابع الصحف التركية إلى إرسال طبعاتها المختلفة بالطائرة مثل صحيفتيْ "ترجمان" و"جمهوريات". وفي أبريل 1969 بدأت "حريات" كأكبر صحيفة تركية بطباعة نسخها في مؤسسة الكتاب البافارية، وفي نفس الوقت وصلت صحيفة "ترجمان" المحافظة إلى جميع العمال الأتراك في كافة ولايات ألمانيا من خلال مؤسسة توزيع "مارباخ" الألمانية، ولاقت الصحيفة إقبالا واسعًا؛ وهو ما شجعها على افتتاح أول مطبعة تركية في ألمانيا في "هد دارن هايم"، وبعد فترة وجيزة توسعت أعمال المطبعة؛ فتم طباعة صحيفة حريات بها، وفي عام 1971 اضطرت "ترجمان" لنقل مطبعتها الصغيرة نسبيًا إلى منطقة "نوى اسنبرج"، وكان هذا بداية التركيز لتواجد المطابع التركية في فرانكفورت.

وفيما بعد طورت شركتا النشر حريات AG وترجمان BMH نفسيهما، وتحولتا إلى سلسلة من المطابع الحديثة الضخمة؛ وهو ما زاد من الاهتمام الدولي بمدينة فرانكفورت كمنطقة دولية للطباعة حتى إن دار النشر الإيطالية ريزولي بدأت في طباعة صحيفتها كورييرا دي لاسييرا وصحيفة جازيته دي لوسبورت في مطبعة ترجمان، وبعد ذلك حذا العرب حذوهم، فأصدروا صحيفتهم (الشرق الأوسط) طبعة فرانفكورت لدى ترجمان أيضا، ثم تبعتهم الهيرالد تريبيون إنترناشونال الأمريكية والجاريان الإنجليزية، ثم العديد من الصحف الأجنبية مثل فينسرنجي ليست الكرواتية، وفيتسي الصربية، وأزفستيا الروسية، وصحيفة كاراماني القازاخية.

الخبير الإعلامي تونجلي من جامعة أنقرة قال: "إن هذه الصحافة لا تحقق أرباحًا وتتدنى معدلات توزيعها؛ لأنها بكل بساطة في قبضة رجال الأعمال الكبار الذين يستخدمون الإعلام كوظيفة جانبية للحصول على موقع قدم في مجال التأثير السياسي".

وبلغ مجموع ما تصدره المطابع التركية في فرانكفورت من الصحف والمجلات الأجنبية ما يزيد على النصف مليون نسخة يوميا، وفي مانهاتن الأمريكية توزع الآن ظهرا الصحف التركية المطبوعة في ألمانيا ليلا.

آخر أرقام التوزيع لأهم الصحف التركية الصادرة والمطبوعة في ألمانيا

النسخ المطبوعة

عام الإصدار

الاتجاه

اسم الصحيفة

135339

1971

قومية صحيفة إثارة

حريات

78665

1996

ليبرالية - صحيفة إثارة متحررة إلى درجة الإباحية

صباح

11500

1972

يسارية متحررة

ملليت

6500

1987

قومية محافظة وذات بعد إسلامي

تركيا

16200

1990

إسلامية محافظة

زمان

15000

1995

يسارية قومية كردية

أيسجور بولتيكه

12000

1996

يسارية

إيميك

صحافة الجيل الثالث

يسمي الإعلام الألماني الصحف التركية الصادرة في ألمانيا بـ"الحبل السُّرِّي إلى أنقرة"، ويعتبر أن الجالية التركية في ألمانيا تحصل في الغالب على المعلومات فقط من هذه الصحف السطحية، كما تقول صحيفة "ذي دويتشه تسايتونج"، مصمم الجرافيك في وادي الراين نجم الدين أتيلب يقول: "إن هدوء المواصلات في الشارع الذي أعيش فيه أهم عندي من سقوط شجرة في الأناضول" ويرى أن الأهمية لديه لما يحدث في ألمانيا، أما الجيل الجديد فقد أصبح يطالب بإصدار الصحف التركية بالألمانية.

كانت هناك محاولات لإيجاد صحافة موجهة إلى هذا الجيل، ومن أبرزها مجلة "إيتاب" التي تصدر بالألمانية بصفة شهرية، وتوزع بالبريد على 230 ألف ألماني تركي، وهي موجهة إلى شباب الجيل الثالث، وتؤثر فيهم بقوة من خلال لغتها الحديثة وأفكارها المحتوية على خليط من السياسة والثقافة والاقتصاد، وتصدر المجلة بإنتاج مشترك بين دار إيتاب التركية في برلين وشركة برلين محدودة المسؤولية، هيئة تحريرها قالت في الأعداد التجريبية الأولى: "إن المجلة ستحترم الأصول الأخلاقية المتعارف عليها، ولكنها لن تتوانى في المقابل في استغلال أية فرصة لتقييم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا بحرية مطلقة".

دنيا إيرول عبّرت للمجلة عن سرورها قائلة: "إنكم أظهرتم للألمان أن الأتراك ليسوا فقط بائعي كباب وشاروما، لكن لديهم كفاءات في كافة التخصصات"، أما الإعلامي الألماني إيكرت شولتز فقد انتقد المجلة لتركيزها على الصور ولفتحها ملفات القضايا التي تخيف المجتمع الألماني مثل الجيتو والأسلحة والمجتمع الموازي .

موزاييك

في مدينة شتوتجارت يعيش حوالي 70 ألف تركي، إلا أن الصحافة الألمانية تعتبر أن القليل منهم فقط يعلم ما يحدث أمام منزله؛ لأن أغلبيتهم لا يقرءون إلا الصحف القادمة من تركيا. وإذا ما ذُكر اسم ما نفريد شوستر عمدة شتوتجارت فهو لا يعني أي شيء بالنسبة لمعظمهم، وعلى العكس من ذلك؛ فاسم بولنت أجاويد رئيس الوزراء التركي معروف للجميع -أتراكًا وألمان-. ولهذا تريد صحيفة موزاييك الصادرة بالألمانية والتركية تغيير ذلك الوضع وتقريب شتوتجارت إعلاميًا لأهلها الأتراك، وتعود فكرة تأسيس الصحيفة إلى اتفاق ماتياس شنايدر المتحدث السابق باسم حزب الخضر في ولاية براندبورج ومظفر جول الاستشاري بإحدى الشركات الألمانية على تغطية مساحة الجمهور التركي في شتوتجارت إعلاميًا.

العدد الأول من الصحيفة ظهر في أبريل 2001. ويرى مظفر جول أن موزاييك انطلقت لتستمر؛ فكثير من أفراد الجالية التركية قد بدؤوا يتململون من صحفهم، خاصة "حريات" التي تنشر عشرين صفحة عن تركيا، وصفحتين سيئتي المضمون والإخراج عن ألمانيا.

ماتياس شنايدر هو المسؤول في القسم الألماني بالصحيفة، وهو يتدفق بأفكار المانشيتات: "كيف تحصل على حق المواطنة الألمانية بعد صدور قانون الجنسية الجديد؟"، "كيف تظهر مشاكل لاعبي الكرة الأتراك؟"، "ما هي أهمية أصحاب الأعمال الأتراك؟"، "ما هي شركات الهواتف التي تقدم أرخص تعريفة للاتصال بتركيا؟".

ويبدو شنايدر الذي يجهل طبيعة الأتراك كأنه مراسل في دولة خارجية؛ فهو يكتب المقالات بالألمانية، وهي تشكل 30% من الصحيفة، ويرى أنه ينبغي على الألمان إلقاء نظرة على ثقافة الهجرة التركية، علاوة على ذلك فيجب على مزاييك ألا تقتصر على الأتراك والألمان فقط؛ فهناك شريحة من المسلمين من غير الأتراك ممن يجيدون الألمانية تبدي اهتمامًا بالغًا بهذه النوعية الإعلامية متعددة الثقافات.

وقد بدأت "مزايبك" في الصدور برأسمال قدره 90 ألف مارك، وصدر منها في البداية 6 آلاف نسخة تم توزيعها مجانًا، وفي الشتاء الحالي وصل التوزيع إلى 12 ألف نسخة تباع الواحدة بمارك واحد، وإلى الآن لم تساهم بلدية شتوتجارت بأي قدر من المال في دعم الصحيفة، لكن شنايدر انطلاقًا من قناعاته بأن الدولة الألمانية عليها واجبات تجاه الأتراك كمواطنين يتفاوض مع الإدارة لحثها على المساهمة في التمويل.

وفي العاصمة الألمانية برلين بدأت صحيفة تاتس التي يقرؤها الطلبة واليساريون تجربة مماثلة بإصدارها ملحقًا أسبوعيًا باللغتين الألمانية والتركية يحمل اسم "بير شامبا = الخميس".

ومن البداية يعترف عمر أرتسييرين مسؤول التحرير في القسم التركي من الملحق بأن الصبغة اليسارية تطغى على مواد الملحق الذي يسعى لاكتساب الجيلين الثاني والثالث من الأتراك المولودين في ألمانيا كقراء جدد؛ لأنهم يتحدثون الألمانية بإجادة أكثر من التركية، لكنهم في الوقت نفسه يُبدون سعادة في قراءة الصحافة بلغتهم الأم. "بير شامبا" وهو يُولي اهتمامًا بمواضيع حقوق الإنسان والهجرة واللجوء.

البث التركي في ألمانيا

إن استثنينا القنوات الفضائية ومحطات الإذاعة التركية القادمة إلى ألمانيا من تركيا؛ فإن هناك عددًا محدودًا من المحطات والقنوات التركية قد تم تأسيسها، وانطلق بثُّها من ألمانيا مثل "قناة D التلفازية و"محطة متروبول FM" الإذاعية، وتُعد هذه المحطة التي بدأت البث من العاصمة الألمانية برلين في مايو 1997 ثاني محطة إذاعية من نوعها خارج تركيا بعد المحطة الموجودة منذ سنوات طويلة في فيينا عاصمة النمسا.

أما "قناة D" فرغم أنها أُنشئت لتتوجه في الأساس إلى أتراك ألمانيا، فإنها اختارت أن يكون بثها فضائيًا من خلال القمر الصناعي التركي، وقد بدأت "قناة D" بثَّها أوائل عام 1999، وتقدم القناة برامج وتقارير ونشرات أخبار شاملة للأحداث في ألمانيا وتركيا إلى جانب برامج وثائقية تم إنتاجها في ألمانيا، وتحث الجالية على الاندماج في المجتمع الألماني والتفاهم المشترك معه.

 

 

عن اسلام أون لاين 20-09-2001