التدريس باللغات الأجنبية فى الجامعات المصرية

د.‏ محمد السيد سليم

أستاذ بقسم العلوم السياسية

كلية الإقتصاد والعلوم السياسية

جامعة القاهرة

لعل من أبرز الظواهر التى ميزت التعليم الجامعى المصرى فى العقد الأخير هو ذلك الاتجاه نحو التدريس باللغات الأجنبية.‏ وقد بدأ هذا الإتجاه بشكل محدود فى إحدى كليات التجارة فى السبعينيات ولكنه سرعان ما انتشر منذ أوائل التسعينات ليشمل العديد من التخصصات الأخرى فى كليات الآثار والحقوق،‏ الأعلام والإقتصاد.‏ وهناك خطط مطروحة فى الوقت الحالى لبدء برامج للتدريس باللغات الأجنبية فى تخصصات أخرى.‏ ويهدف هذا البحث إلى تحديد تأثير التدريس باللغات الأجنبية على نوعية ومستقبل التعليم الجامعى فى مصر وذلك من خلال دراسة أصول الظاهرة،‏ والحجج المتباينة لكل من أنصار ومنتقدى هذا الاتجاه،‏ لكى تنتهى بتقييم أثر هذا الاتجاه،‏ ولتحقيق هذا الهدف أيضاً فقد اخترنا عينة من طلاب كلية الإقتصاد والعلوم السياسية الذين يدرسون باللغة العربية ولذلك للتعرف على آرائهم بخصوص أثر هذا الاتجاه على التعليم الجامعى.‏

‏1.‏ أصول قضية التدريس باللغات الأجنبية :‏

أثيرت قضية التدريس باللغات الأجنبية فى إطار قضية "‏تعريب التعليم الجامعى"‏ فى الخمسينيات كجزء من حركة الاستقلال الوطنى وتأكيد الهوية القومية.‏ فحينما نشأ التعليم الجامعى المعاصر تم إقتباس النظم الغربية سواء فى مناهج التدريس أو فى لغة التدريس فى كثير من الأحيان.‏ أما فى عصور ازدهار المؤسسات العلمية الإسلامية والعربية فى العصور الوسطى فقد كانت اللغة العربية هى لغة التدريس والبحث.‏ وفى حالة نقل التراث العلمى الإغريقى أو الرومانى،‏ إتجه العرب إلى الترجمة بالتعريب والاستيعاب فى الثقافة العربية.‏ ومن الملاحظ كذلك أن حركة النهضة العلمية فى عهد محمد على،‏ رغم أنها إقتبست النظم التعليمية الأوروبية،‏ حرصت على تعريب العلوم المنقولة،‏ وكان الحكام يلزمون طلاب البعثات بنقل هذه العلوم إلى اللغة العربية،‏ وأن تكون اللغة العربية هى لغة التدريس.‏ فحينما أنشأ كلوت بك مدرسة الطب التابعة للجيش فى أبى زعبل عام ‏1827،‏ جعل المحاضرات باللغة العربية بواسطة مترجم ثم تعلم هو وزملاؤه اللغة العربية وألقوا بها محاضراتهم.‏ كذلك قام طلاب البعثات بترجمة كتب الطب الفرنسية المشهورة إلى اللغة العربية وبذلك صارت الدراسة فى مدرسة الطب باللغة العربية ما عدا الدراسات العليا.‏ بيد أنه مع وقوع مصر تحت الاستعمار البريطانى تحولت المدرسة إلى اللغة الإنجليزية(‏‏1)‏.‏ أما المؤسسات التعليمية العالية التى نشأت فى ظل الاحتلال فقد استعملت لغة المستعمر كلغة التدريس.‏ فقد استعملت الجامعة الأهلية المصرية التى تأسست سنة ‏1908 اللغة الإنجليزية،‏ ففى كلية العلوم بجامعة القاهرة،‏ كان التدريس يتم حتى منتصف الستينيات باللغة الإنجليزية،‏ وفى كلية الآداب كان قسم كبير من الدراسة يتم بواسطة أساتذة أجانب وباللغات الأجنبية.‏ ومع استقلال الدول العربية،‏ بدأ اتجاه بين الجامعيين للتخلص من التدريس باللغات الأجنبية،‏ فى إطار ما سمى "‏بتعريب التعليم الجامعى"‏.‏ سارت جهود الجامعات المصرية فى ثلاثة محاور رئيسية.‏ المحور الأول هو المحور التشريعى،‏ وقوامه إدخال نصوص فى قانون الجامعات تجعل من اللغة العربية لغة التدريس.‏ المحور الثانى هو المحور العلمى وقوامه أن تكون اللغة العربية هى لغة المراجع والمؤلفات الجامعية العربية،‏ ففى جامعة القاهرة مثلاً صدرت العديد من المؤلفات الجامعية العربية عن الموضوعات العلمية الأجنبية،‏ وبالذات فى ميدان العلوم الإجتماعية والإنسانيات(‏‏2)‏.‏ أما المحور الأخير فهو محور صياغة المصطلحات العلمية،‏ ومن المدهش أن معظم المحاولات التى تمت فى هذا الصدد،‏ تمت خارج إطار الجامعات،‏ ذلك أنه باستثناء الجهود التى قامت بها جمعية خريجى كلية العلوم بجامعة القاهرة،‏ ومجلة رسالة العلم،‏ وبعض الجهود الفردية لأساتذة الجامعات،‏ فإن جهود تعريب المصطلحات العلمية تمت فى إطار مجمع اللغة العربية فى القاهرة،‏ جامعة الدول العربية وبالذات الإدارة الثقافية والمنظمات المتخصصة،‏ والمجمع العلمى العراقى،‏ المجمع المصرى للثقافة العلمية،‏ مجمع اللغة العربية الأردنى،‏ الإتحادات العربية المتخصصة،‏ والإتحاد العلمى العربى.‏

وحتى أوائل الثمانينات إعتقد أنصار قضية تعريب التعليم الجامعى أن القضية حسمت فى التخصصات النظرية،‏ وأنه لم يتبق إلا معالجة آثار قضية التدريس باللغات الأجنبية فى بعض التخصصات العلمية كالطب والصيدلة والكيمياء.‏ ومن يراجع أعمال مؤتمر تعريب التعليم العالى فى الوطن العربى المنعقد فى بغداد سنة ‏1978،‏ وندوة التعريب وقضايا اللغة العربية فى التعليم الجامعى المنعقدة فى السودان فى سنة ‏1979 يجد أن هذا الاعتقاد كان راسخاً.‏ بيد أن هذا الاعتقاد سرعان ما بدأ يتراجع مع اتجاه بعض التخصصات النظرية إلى العودة إلى التدريس باللغات الأجنبية،‏ بل والقيام بهذا التدريس بتكاليف مادية.‏

‏2.‏حجج أنصار التدريس باللغات الأجنبية :‏

تأسس منطق أنصار التدريس باللغات الأجنبية فى الجامعات المصرية على عدة حجج أساسية يمكن تلخيصها فيما يلى:‏

1.      أنه فى عصر العولمة أصبح من المتعين على الطالب أن يتقن إحدى اللغات الأجنبية حتى يستطيع أن يتعامل مع التطور العلمى السريع.‏ ولا يكفى لإتقان اللغة أن يتم دراستها كلغة بل ينبغى استيعاب وهضم اللغة من خلال التعلم من خلالها.‏

‏2.‏ إن التدريس باللغات الأجنبية يوفر قاعدة من الخريجين والباحثين القادرين على التعامل مع الثقافات الأجنبية سواء فى شكل كتابة بحوث أو المشاركة فى المؤتمرات الدولية.‏

‏3.‏ إن التدريس باللغات الأجنبية فى الجامعات يؤدى إلى التغلب على عقبة تدنى مستوى تدريس اللغات الأجنبية فى التعليم العام،‏ ويؤدى إلى إرتفاع مستوى معرفة الطالب باللغة الأجنبية.‏

‏4.‏ إن التدريس باللغات الأجنبية هو جزء من استجابة الجامعات لإحتياجات المجتمع فى عصر العولمة والخصخصة.‏ فقد ازداد نشاط الشركات متعددة الجنسية والبنوك الأجنبية فى مصر،‏ وهذه الشركات والبنوك فى حاجة إلى موظفين يتقنون اللغات الأجنبية.‏ وإذا لم تقم الجامعات بتوفير الخريجين القادرين على التعامل باللغات الأجنبية فى الشركات والبنوك الأجنبية،‏ فإن تلك الشركات والبنوك ستوظف آخرين.‏

‏5.‏ يرتبط بذلك أن التدريس باللغات الأجنبية يوسع قاعدة الاختيار الوظيفى أمام الخريجين بحيث يصبحون هؤلاء قادرين على العمل فى الشركات والبنوك الأجنبية التى يتطلب العمل بها إتقان لغة أجنبية على الأقل إتقاناً كاملاً.‏

‏6.‏أن التدريس باللغة الأجنبية لايهدد الهوية القومية لأن تلك الهوية ترتبط بعوامل ثقافية بنيوية تتعدى الدراسة بلغة أجنبية.‏ فالهوية القومية للدراسين المصرين بالخارج لم تتأثر نتيجة دراستهم فى بيئة اجنبية بلغة اجنبية.‏

‏‏3. تقييم أثر التدريس باللغات الأجنبية فى التعليم الجامعى

تعتبر مشكلة تعريب التعليم الجامعى والتدريس باللغات الأجنبية من المشكلات التى تكاد تنفرد بها الجامعات المصرية والعربية عموماً،‏ ذلك أنه باستثناء بعض الدول الأفريقية جنوب الصحراء التى خضعت للاستعمار،‏ وبعض الدول التى كثرت فيها اللغات المحلية بحيث لا توجد لها لغة قومية كالهند،‏ فإن التعليم الجامعى فى دول العالم يتم باللغة القومية،‏ فهو فى بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا يتم بالإنجليزية وفى الصين باللغة الصينية،‏ بل إن مقاطعة كويبيك فى كندا سنت تشريعاً سنة ‏1977 يجعل لغة التعليم بكل أشكاله اللغة الفرنسية (‏وهى اللغة القومية لسكان المقاطعة)‏ حمايةً لجامعاتها من سيطرة الأغلبية الإنجليزية.‏وفى زيارة قمت بها لعدد من الجامعات اليابانية تبين لى أن لغة التدريس فى تلك الجامعات هىاليابانية ولا توجد برامج للتدريس باللغة الأجنبية.‏

والواقع أن مشكلة التعريب أو التدريس باللغات الأجنبية ليست كما يبدو لأول وهلة مجرد مشكلة تتعلق بالتعامل داخل الجامعات باللغة العربية،‏ ولكنها ترتبط بقدرة الجامعات على الاضطلاع بكفاءة بوظيفتها العلمية والاجتماعية.‏ فاللغة القومية هى المنطلق الأساسى الذى ينطلق منه الأمم فى ثورتها العلمية،‏ وذلك كما تثبته خبرة الجامعات اليابانية والصينية،‏ وكما تثبته أيضاً الخبرة التاريخية لمدرسة الطب المصرية فى النصف الأول من القرن التاسع عشر فقد ازدهرت حركة التأليف والترجمة والبحث العلمى فى هذه المدرسة حينما استعملت اللغة العربية كلغة للتعامل.‏ وفى هذا الصدد يؤكد الدكتور عبد الحافظ حلمى،‏ عميد كلية العلوم الأسبق بجامعة عين شمس،‏ أنه قد ثبت من التجارب العملية أنه عند تدريس موضوع ما لجماعتين من الطلاب العرب متكافئتين على وجه العموم،‏ تتلقاه إحداهما بالعربية،‏ وتتلقاه الأخرى بالإنجليزية،‏ كانت حصيلة الطالب من المجموعة الأولى أكبر،‏ وفهمه للموضوع أتم وأعمق،‏ فى وقت أقصر وبجهد أقل.‏ ويضيف أن لغة العلم هى مركز لأربع دوائر متداخلة:‏ الأعمال والمهن العلمية،‏ نشر الثقافة العلمية،‏ تدريس العلوم،‏ ثم البحث العلمى ونشر نتائجه.‏ وتدريس العلوم بالعربية يزيد من ترابط الدوائر الثلاث الأولى.‏ كذلك يشير الدكتور عبد الملك أبو عوف،‏ الأستاذ السابق بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة،‏ إلى تجربته الشخصية حينما قام بالتدريس باللغة العربية فى جامعة دمشق بعد أن قضى سنوات حياته يدرس باللغة الإنجليزية،‏ فقد ساعده التدريس بالعربية على وضع مؤلف ضخم باللغة العربية فى الكيمياء العضوية كإسهام عربى رائد،‏ كما أن نتائج طلبته فى جامعة دمشق كانت أفضل من نتائج طلبته فى جامعة القاهرة نظراً لاستيعاب طلبة جامعة دمشق لمحاضراته بشكل أعمق.‏ كما أن الدكتور عبد الوهاب عامر،‏ الأستاذ بهندسة القاهرة،‏ يذكر أن التدريس باللغة الإنجليزية فى كليات الهندسة أدى إلى ارتباك الطالب وعدم قدرته على متابعة دروسه حتى أصبح أمراً طبيعياً مرور الممتحنين فى قاعات الإمتحان لترجمة وتعريب ما استعصى على الطالب من كلمات.‏

كذلك،‏ فإن للباحث خبرة شخصية فى تدريس أحد المقررات فى جامعة القاهرة لسنتين متتاليتين،‏ أولاها باللغة العربية والأخرى باللغة الإنجليزية،‏وقد تبين من هذه الخبرة أن درجة استيعاب الطالب للمادة العلمية فى الحالة الأولى هذا فى حالة اذا ما كان هذا الطالب قد أتى الى الجامعة من المدارس التى تدرس باللغة العربية كانت أعمق،‏ إذ على الطالب فى الحالة الثانية أن يواجه عقبة اللغة أولاً ثم عقبة فهم المضمون ثانياً.‏ من ناحية ثانية،‏ فقد تبين أن الطلاب الذين يلتحقون ببرامج التدريس باللغات الأجنبية هم فى الأغلب الطلاب الذين حصلوا على الثانوية العامة من مدارس اللغات الأجنبية،‏ أى الذين يعرفون اللغات الأجنبية إبتداءً،‏ وأن إلتحاق الطلاب من خريجى المدارس التى تدرس باللغة العربية ببرامج التدريس باللغات الأجنبية محدود.‏ وبالتالى،‏ فإن التدريس باللغات الأجنبية لم يؤد إلى الإرتقاء بمستوى الطلاب بتلك اللغات حيث أن هذا المستوى متوافر لهم إبتداءً.‏ من ناحية ثالثة،‏ فإن التدريس باللغات الأجنبية قد أحدث انشقاقاً إجتماعياً بين الطلاب الذين يدرسون باللغات الأجنبية والطلاب الذين يدرسون باللغة العربية.‏ كما أدى إلى هبوط عام فى معنويات الآخرين.‏ فقد ارتبط التعليم باللغات الأجنبية بقدر كبير من التمايز الإجتماعى،‏ ليس فقط لإعتبار طلاب تلك المجموعة أن تعلمهم بلغة أجنبية يعطيهم مركزاً إجتماعياً متفوقاً على أقرانهم،‏ بل لأن هؤلاء الطلاب يدفعون مصروفات باهظة.‏ ومن ثم،‏ تقاطع المركز الإجتماعى والوضع الإقتصادى وتكونت داخل الجامعات مجموعتان متمايزتان من الطلاب من حيث الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية ويندر التفاعل الأفقى بينهما.‏ والأهم من ذلك ما لحق من تشويه للروح المعنوية لطلاب المجموعة الثانية.‏ فلما كان منطق التدريس باللغات الأجنبية يقوم على حجة أن هذا التدريس يمكن الخريجين من الإلتحاق بوظائف أكثر،‏ فإن معنى ذلك أن تلك الوظائف ليست متاحة للطلاب الذين يدرسون باللغة العربية إبتداءً ومهما تفوقوا فى تخصصهم.‏ ومن ثم،‏ نجد طلاباً يحصلون على أعلى الدرجات فى الثانوية العامة ولم يتمكنوا،‏ لأسباب متفرقة،‏ من الإلتحاق ببرامج التدريس باللغات الأجنبية،‏ قد فهموا إبتداءً أن فرصهم فى العمل محدودة لأنهم لم يتعلموا باللغات الأجنبية.‏ ولا يخفى الأثر النفسى التدميرى لهذا الشعور على طالب فى مقتبل حياته العلمية.‏

من ناحية رابعة،‏ فإنه فى بعض الحالات تم إنشاء أقسام للتدريس باللغات الأجنبية دون القيام بدراسات جدوى مسبقة عن قدرات الكليات لتوفير أعضاء هيئة التدريس القادرين على التدريس باللغات الأجنبية الذين سيقومون بهذا التدريس.‏ ولهذا تعانى بعض الكليات من حالة عجز فى إعداد هيئة التدريس مما يضطرها إلى الاستعانة بمحاضرين من الخارج،‏ وانتهى الأمر بأن يقوم بالتدريس مجموعات متنافرة من المحاضرين الذين لم يؤهلوا للتدريس باستثناء حصولهم على درجة الدكتوراه.‏ وفى بعض الأحيان عهد إلى أعضاء هيئة التدريس بالتدريس فى تلك الأقسام دون أن تتوافر لديهم قدرة على التدريس باللغة الأجنبية المطلوبة.‏ وفى أحيان أخرىقام أساتذة أجانب بالتدريس مباشرة للطلاب،‏ مما يعنى أن الجامعة قد فوضت عملية وضع الأسس العلمية للأجيال الجديدة.‏

ومن ناحية خامسة،‏ فقد ظهرت مشكلة توافر الكتب الدراسية التى يتم تدريسها فى برامج التدريس باللغات الأجنبية.‏ ونقصد بذلك توفير الكتب الدراسية الحديثة التى تواكب التطور العلمى فى التخصص.‏ فنظراً لارتفاع أسعار تلك الكتب وعدم وصول معلومات حديثة عن أحدث الكتب فى مجال التخصص تم الاستعانة بكتاب مدرسى واحد مما كرس فكرة الكتاب المدرسى الواحد فى ذهن الطالب وعدم اللجوء إلى مصادر إضافية،‏ كما اعتمدت الكليات على الكتب الكلاسيكية فى التخصص،‏ وكثير منها لم يواكب التطور العلمى فى تخصصه.‏ وبدا أن الهدف هو الاستعانة بالمرجع الأجنبى بصرف النظر عن محتواه.‏

من ناحية سادسة،‏ فان التدريس باللغات الأجنبية قد كرس الولاء للثقافات الأجنبية لدى بعض الطلاب،‏ وبالذات هؤلاء الذين أتوا الى الجامعة من مدارس اللغات الأجنبية.‏ فقد أصبح المستقبل العلمى للطالب بأكمله مرتبطاً بالثقافة الأجنبية.‏ وأصبحت توجد داخل الجامعة مجموعات من الطلاب الذين يدينون بالولاء للثقافة الفرنسية ويدرسون فى أقسام اللغة الفرنسية ومن الطلاب الذين يدينون بالولاء للثقافة الأمريكية ويدرسون فى أقسام اللغة الإنجليزية وغيرها.‏

من ناحية سابعة،‏ فقد أضعف التدريس باللغات الأجنبية من عملية التأليف المدرسى فى الجامعات،‏ ذلك أن أعضاء هيئة التدريس الذين يدرسون باللغات الأجنبية لن يقوموا بتأليف كتب مدرسية باللغة الأجنبية.‏ فلما كان جزء من طاقاتهم التدريسية قد وجهت نحو التدريس بلغة أجنبية فأن الاهتمام قد أصبح منصباً على شرح الكتب الأجنبية أكثر من التأليف المدرسى باللغة العربية.‏

ولاختبار تلك المقولات قمت باختيار عينة مفتوحة من الطلاب الذين يدرسون باللغة العربية فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لمعرفة اتجاهاتهم تجاه قضية التدريس باللغة الأجنبية،‏ وطلبت منهم أن يقوموا بكتابة إجابات مفتوحة على عدد من الأسئلة.‏ والمقصود بالعينة المفتوحة هوأنه ترك لأفراد المجتمع وهم طلاب الفرقة الرابعة قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حرية الاجابة على مجموعة الاسئلة وتسليمها للأستاذ.‏ وقد اختار حوالى ‏12% من الطلاب أن يقدموا اجابات مكتوبة،‏ واختاروا جميعاً كتابة أسمائهم على الأوراق :‏-‏

‏1.‏ لم يوافق ‏82% على التدريس باللغات الأجنبية وأنهم أكدوا على أهمية المساواة بين الطلاب من خلال الإرتقاء بمستوى اللغات الأجنبية للجميع.‏

‏2.‏ أكد أفراد العينة أن التدريس باللغات الأجنبية يكرس التفرقة بين خريجى المدارس الحكومية وخريجى المدارس الأجنبية.‏ وقد أشار أحد الطلاب إلى أن الفئة الأولى مثقلة وتعانى أشد المعاناة فى مجاراة الفئة الثانية.‏

‏3.‏ أكد أفراد العينة إن التدريس باللغات الأجنبية لا يؤدى إلى الإرتقاء بالمعرفة.‏ فالمادة العلمية إذا كانت منطقية ومعقولة سوف تدخل إلى العقل الإنسانى ويدركها سواء كانت باللغة العربية أو الأجنبية.‏

‏4.‏ اتفق أفراد العينة إن تخصيص أقسام مستقلة للتدريس باللغات الأجنبية بمصروفات أدى إلى تحقيق فجوة كبيرة بين طلاب المجموعة العربية والمجموعة الإنجليزية حتى أن كلمة "‏أنا من القسم العربى"‏ أصبح شئ مخجل.‏

‏5.‏ أكد أفراد العينة أن التدريس باللغات الأجنبية يأتى على حساب عمق وإتقان فهم الطالب لمضمون المادة،‏ لأنه يلهث دائماً خلف اللغة لتحصيلها وليس المادة لتحصيلها.‏

‏6.‏ اتفق أفراد العينة على أن من الأفضل تخصيص مادة بأكملها لتدريس المصطلحات بالإنجليزية أو الفرنسية أى تدريس اللغة نفسها،‏ وليس التدريس بها.‏ وأشار آخر إلى أنه من الأفضل جعل اللغات الأجنبية المطلوبة فى سوق العمل إجبارية فى جميع مراحل التعليم،‏ والتدريس بلغة أجنبية موحدة لجميع الطلاب أو إلغاء التدريس بهذه اللغة إبتداءً.‏

‏7.‏أكد أحد الطلاب إن إنشاء أقسام داخل الكليات والتدريس باللغات الأجنبية يعد أحد أسوأ أساليب التطور،‏ فمن ناحية يخلق بعض الانشقاقات داخل صفوف أبناء الكلية الواحدة،‏ وكذلك فهو يثير نوعاً من أنواع السخط بين الطلاب الأقل من الناحية المادية والأكثر استعداداً أو رغبة فى الدراسة بهذه الأقسام على أولئك الذين يدرسون بها.‏ ذلك أن هذه الأقسام تكون مكلفة من الناحية المادية بسبب إرتفاع مصروفاتها.‏.‏ وبسبب الإحساس بالتميز الذى يسود بين طلاب قسم اللغة الإنجليزية فإنهم يتأففون من دراستهم مع طلاب القسم العربى،‏ كما قد أشارت إحدى الطالبات إلى أنه نتيجة لانتقاء الطلاب القادرين للدراسة باللغة الأجنبية "‏ظهرت آثار نفسية بين الطلاب وخاصة طلاب القسم العربى والذين يجدون أنفسهم معزولين رغماً عنهم عن طلاب القسمين الفرنسى والإنجليزى بالإضافة إلى أن فرص العمل أمامهم تكاد تكون محدودة إن لم تكن منعدمة حيث أن صاحب العمل والذى يملك فرصة المقارنة والمفاضلة بين خريجى أقسام اللغات وخريجى القسم العربى سوف يختار على الفور خريجى القسم غير عربى (‏قسم اللغات)‏ وهو ما بدأنا نلمسه فى إعلانات الوظائف بالجرائد اليومية حيث أصبح هناك أفضلية لخريجى أقسام اللغات من الكليات المختلفة.‏

ختام:‏

إن التدريس باللغات الأجنبية فى الجامعات المصرية قد أفرز مجموعة من الآثار على العملية التعليمية فى الجامعات وعلى احتمالات السلام الاجتماعى فى المجتمع.‏ فمن ناحية العملية التعليمية،‏ فقد أضعف هذا التدريس من قدرة الطلاب على الاستيعاب،‏ ومن عملية التأليف العلمى المدرسى.‏ أما من ناحية الأثر على السلام الاجتماعى،‏ فقد أدى الى خلق تجمعات طلابية متفاوتة اجتماعياً واقتصادياً يندر التفاعل الأفقي بينها،‏ كما أدى إلى شيوع روح الإحباط بين الطلاب الذين يدرسون باللغة العربية نتيجة الشعور بأفضلية الطلاب الذين يدرسون باللغة الأجنبية من ناحية الفرص الوظيفية،‏ ومدى اهتمام أعضاء هيئة التدريس بهم.‏ وللتعامل مع هذه الآثار فانه من الضرورى العودة الى نظام التدريس الموحد،‏ أى إلغاء برامج التدريس باللغات الأجنبية،‏ مع تطوير برامج للارتقاء بمستوى اللغات لجميع الطلاب.‏ ومن ناحية أخرى فانه يمكن قصر تدريس بعض المقررات باللغة الأجنبية فى برامج الدراسات العليا على أن يكون ذلك بشكل انتقائى وأن يكون مفيداً للعملية التعليمية.‏

الهوامش :‏

محمد السيد سليم،‏ "‏سوسيولوجية الجامعة المصرية"‏،‏ فى ندوة التعليم الجامعى والمجتمع،‏ (‏القاهرة:‏ المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية)‏ نوفمبر‏1981،‏ص ص ‏11-‏‏12